الشيخ محمد آصف المحسني
249
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وكان على طريقة المعتزلة يقول بحدوث القرآن ثم خطب وهو قاض بالبصرة ، وعدل إلى مذهب محمد بن عبد الوهاب القطان . . . أقول : الذي ظهر لي أن الأشاعرة أشاروا إلى معنى لو كان ذلك في حقّ الحادث لكان صحيحا ، ولكن بطلان قولهم لا من حيث إنّه غير معقول بل هو معقول معروف إلا أنهم عجزوا عن التعبير في بيان ما أرادوا بعبارة تدلّ على مطلوبهم ، فلمّا نظر مخالفوهم إلى المفهوم من خصوص تعبيرهم عنه وجدوا شيئا لا يعرف العقل استقامته . . . والعبارة الدالة على مرادهم : هو أن النفس لها كلام مثل كلام اللسان بحروف وأصوات إلّا أنها نفسية ، فالنفس تخاطب مثال غيرها وتأمره وتنهاه وتطلب منه وكذلك ، مثالها وهو قولهم : مثل حديث النفس ، لأن النفس قد تحدّث نفسها وتحدّث غيرها بكلام مشتمل على كلمات لفظية وحروف صوتية مثل الكلام المسموع بالأذان ، إلا أنه نفسي لا جسماني . هذا كلامهما . أقول : أمّا قول الماتن « وإلا لكان كلّ كلام اللّه » فهو مبني على كون أفعال المخلوق أفعال اللّه ، أي على الجبر الباطل عندنا وعند متابعينا من المعتزلة . وأما قوله : « وإلا لم يكن أصواتا وحروفا » فهو مبني على أن الصادر عن اللّه تعالى بلا واسطة أمر مجرّد ، وسيأتي في آخر هذا الجزء بطلانه . وأما جعله إياه من الصفات الذاتية فهو أضعف بناء على إرادة ما أرادته الشريعة الإسلامية من هذه الكلمة ، وإلّا فلكل أحد الاصطلاح بكل ما أراد ! وأما ما أتى به الشارح الأحسائي وزعم عجز الطرفين عن فهمه فهو شيء عجيب ، فإنّه ليس إلّا تصوّر الألفاظ لا غير ، وكلامه بطوله وما أصرّ عليه من أنّه غير العلم خبط وغلط ، فلا نطول المقام به ، فاستقم ولا تكن من ذوي الاعوجاج . وأمّا الجهة الثانية ففي بيان أدلتهم على ذلك المرام الخيالي وهي وجوه : 1 - إن الكلام صفة له ، وكل ما هو صفة له فهو قديم ، فكلامه قديم . أقول : وهذا منهم عجيب ، فإنّ الكلام ليس بصفة بل هو يضاف إلى اللّه فيقال : كلام اللّه ، ولا يقال : اللّه كلام . كما يقال : زيد مخلوق اللّه ، ولا يقال : اللّه زيد المخلوق ، فالكلام الذي هو مؤلّف من الحروف والأصوات مخلوقه لا وصفه ، وما يتّصف به هو التكلّم فيقال : اللّه متكلم ، أي ثبت له التكلم ، وهذا ظاهر للمبتدئين ، فلو تمّت الكبرى لكانت النتيجة هي قدم التكلم الذي هو إيجاد الحروف المذكورة لا نفس الكلام ؛ ليحتاج حينئذ إلى الكلام النفسي ، فافهم . وأما الكبرى فإن أريد بالصفة المذكورة فيها مطلق ما يتّصف به اللّه سبحانه فهي باطلة ؛ إذ